المفاوضات كشفت خلافات عميقة بين أعضاء جيش التحرير وجسدت بداية الطلاق
تعتبر جل المراجع التاريخية أن مفاوضات “إيكس ليبان” مصدر كل المصائب التي شهدها المغرب، مباشرة بعد الاستقلال، إذ وقف عدد من المقاومين وأعضاء جيش التحرير ضد عقدها، رافضين نتائجها.
وتشكل مفاوضات “إيكس ليبان”، التي جرت بمدينة إيكس ليبان، مفتاحا لإعلان استقلال المغرب عن فرنسا، وضمت ممثلين عن الحركة الوطنية والسلطات الفرنسية، خلال الفترة الممتدة ما بين 20 و30 غشت 1955.
وساهم طول المفاوضات في تباين وجهات النظر حولها، فقد دامت خمسة أيام، حرصت خلالها فرنسا على تمثيل حكومتها بكبار رجالاتها، ومنهم رئيس الحكومة، ووزير الشؤون الخارجية، ومسؤولون كبار في الجيش الفرنسي، بينما تكون الوفد المغربي من 37 شخصية، منهم مبارك البكاي، والفاطمي بن سليمان ومحمد المقري، إضافة إلى ممثلي الأحزاب عبد الرحيم بوعبيد، ومحمد اليزيدي، وعمر بنعبد الجليل، والمهدي بن بركة من جانب حزب الاستقلال، وعبد القادر بن جلون وأحمد بن سودة وعبد الهادي بوطالب ومحمد الشرقاوي من طرف حزب الشورى والاستقلال.
ولم تلق المفاوضات إجماع كل القوى المغربية، فأعضاء بجيش التحرير اعتبروها مشلولة بسبب الحضور القوي للجانب الفرنسي في المفاوضات، ناهيك عن مغاربة متعاونين مع سلطات الحماية، ورأوا في نتائجها أنها صممت على مقاس فرنسا.
وتعددت الروايات والمذكرات والشهادات حول ما وقع في مفاوضات “إيكس ليبان”، فقد اعترف الزعيم الراحل عبد الرحيم بوعبيد، أنه عارض “لقاءات “إيكس ليبان” علانية، سيما أن حزب الاستقلال لم يتم استدعاؤه إليها من أجل التفاوض مع الحكومة الفرنسية حول مستقبل العلاقات الفرنسية المغربية، بل من أجل عرض وجهة نظره فقط”، علما أن بوعبيد نفسه لم يلتحق بالمفاوضات إلا بعد خروجه من السجن، وإلحاحه على المقيم العام بتسليمه جواز سفر للتفاوض مع ممثلي الحكومة الفرنسية حول مستقبل المغرب.
ورأى بوعبيد “أنه لم تكن هناك مفاوضات في “إيكس ليبان”، إذ انتهت اللقاءات بين الوفد الفرنسي وممثلي حزب الاستقلال، التي جرت على انفراد، بالمطالبة بضرورة الاتصال مباشرة مع السلطان محمد الخامس في المنفى بمدغشقر، لأنه دون مشاركة للملك الشرعي للبلاد، ليس هناك حل مقبول لمجموع الشعب المغربي.
سحب ابن عرفة
خلصت المفاوضات إلى “سحب ابن عرفة من المشهد وإنشاء مجلس وصاية العرش، وتعيين محمد بن يوسف السلطان لحكومة مفاوضة، بعد انتقاله من جزيرة مدغشقر إلى فرنسا”. اندلع الخلاف في الرؤى، أولا، حول الوصاية على العرش بين الوطنيين والفرنسيين”، قبل التوصل إلى اتفاق أفضى إلى تعيين الصدر الأعظم المقري، والباشا الصبيحي والقبطان الطاهر أوعسو والباشا البكاي، رسميا في 15 أكتوبر 1955.
وتحبل الشهادات الشفاهية لرجال المقاومة بتفاصيل كثيرة عن الأحداث التي تلت نتائج “ايكس ليبان”، فقد تحول التهامي الكلاوي من داعم للاستعمار إلى مطالب بالاستقلال، ثم قدم مجلس الوصاية استقالته إلى الإقامة العامة، وفي 16 نونبر 1955 كان هبوط طائرة محمد بن يوسف (محمد الخامس) بمطار الرباط سلا.
لم يمنع توقيع المعاهدة من استمرار الخلافات، فقد كانت المعارك ما تزال مستمرة في شمال المغرب، وفضلت لجنة تحرير شمال إفريقيا بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، الاستمرار في الحرب إلى حين إجبار فرنسا عسكريا على الرحيل من شمال إفريقيا كله، وعدم قبول الحلول الانفرادية، سيما أن زعماء جيش التحرير كانوا مشبعين بروح الكفاح المسلح من أجل تحرير المنطقة، كما تحكي روايات بعض الشخصيات، ومن أبرزها رواية الراحل عبد الهادي بوطالب.
خالد العطاوي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق