محكيات من سيرة بوحمارة كما نشرها كتاب غربيون معاصرون له
سعيد عاهدنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 27 - 07 - 2010
مع مطلع يوم الخميس 9 شتنبر 1909، الموافق للثالث والعشرين من شهر شعبان من عام 1327، تم إعدام الجيلالي بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني، المشهور في مغرب مطلع القرن العشرين بكنية «بوحمارة» وبلقب «الروكَي».
اضطر يومها السلطان المولى عبد الحفيظ إلى إصدار أوامره المطاعة بإعدام «الفَتَّان» في مشور بلاطه العامر بفاس. طيلة سبع سنوات، وبينما جموع المغاربة تتابع أصداء ما يقوم به الروكَي عبر الروايات الشفوية، أو عبر ما يردده «البرَّاحون» أو ما يتسلل إلى علمها من مضمون الإرساليات المخزنية حول «فتنة بوحمارة»، اكتشف الرأي العام الأوروبي وجود الرجل وعلم ببعض أخباره عن طريق الصحافة والمجلات الأوروبية، وتابع أخباره بشغف لم يكن يعادله سوى حجم أطماع حكومات القارة العتيقة الرامية إلى احتلال المغرب. وتتضمن السلسلة هذه مجموعة من هذه المقالات الغربية التي صاغها صحفيون و كتاب عاصروا الروكَي بوحمارة.
كاميي دي غاست، صحفية كانت تعمل متعاونة مع مجلة «جو سي تو»، وعلى صفحاتها نشرت تفاصيل زيارتها للجيلالي الزرهوني في قلعة سلوان والحوار الذي أجرته معه سنة 1906 . احتل المقال حيزا مهما من المجلة (ست صفحات)، وتم تزيينه بما لا يقل عن ثماني صور، وانتُقيَ له عنوان مثير هو: «ما قاله لي الروكَي «!. هنا الجزء الثاني من المقال.
«في كثير من الأحيان، يترك بوحمارة ألاعبيه السحرية جانبا ليلجأ إلى الخداع. هكذا مثلا، توقف عن الكلام أثناء إحدى خطبه، رفع عينيه إلى السماء واسترق السمع إلى أصوات كان يصله صداها بمفرده، قبل إصدار أمره:
- اذهبوا لإحضار الرجل الذي ترجل ليشرب من النهر في طريق تازا، والذي يستريح الآن تحت ظلال شجرة خروب.
«على التو توجهت مجموعة من الفرسان إلى المكان المحدد ليعود الرجال مرفوقين بفلاح مسكين. سأل بوحمارة الرجل، بل أكد له:
- إنك رقاص وأنت تحمل رسالة من المخزن!
«أنكر المسكين التهمة الموجهة إليه، فأمر بوحمارة بتفتيشه، لكن التفتيش لم يكشف عن شيء. وفجأة، سقطت أرضا قطعة خبز من ملابسه. حينذاك طلب «العارف بالغيب» بتقسيم القطعة، ليكتشف رجاله داخلها رسالة تحمل الخاتم المخزني. وبما أن إيمان سكان الجبل راسخ مثل إيمان العجائز، فلا أحد بينهم تجرأ على الإيماء بإمكانية كون رجل شجرة الخروب مجرد عميل، والرسالة مجرد وثيقة مزورة!
«هي ذي الوسيلة التي شكل بها الزرهوني بوحمارة أولى فيالق جيشه، ليستولي على تازا ويهزم جيش السلطان. لكنه لم يستفد من انتصاره ووضع حدا لتقدمه، تاركا بذلك الفرصة للعدو لاسترجاع أنفاسه وطرده خارج تازا. وبعد ذلك، تعرض للهجوم الشهير على وجدة الذي اضطره للانسحاب منها.
«راسلت المطالب بالعرش، طالبة منه تسليمي وثيقة مرور حتى أستطيع الوصول إلى سلوان لمقابلته فيها. لقد كان يسعى خلال تلك الحقبة إلى تنظيم المناطق الواقعة تحت نفوذه والحصول عن دعم فرنسا. وصلني جوابه بقبول الطلب، مؤكدا بأنني سأحظى بالحفاوة اللازمة التي يوفرها السلاطين. حللت بمليلية يوم 26 مارس 1906، وعلى بعد بضعة كيلومترات منها، وجدت مائتي فارس بعثهم الطامع في العرش لاستقبالي ومرافقتي إلى سلوان. أحضر لي أحدهم جوادا أسود رائعا أرسله لي بوحمارة لأمتطي صهوته خلال الطريق، لكن الحصان هذا كان يبدو جفولا. هيئة الفرسان أنوفة، وهم متدثرون ببرانس صوفية فاقعة البياض، وواضعون طرابيش مُقرّنة تفسح المجال لبروز ضفيرتي شعر على الأصداغ.
«ها نحن في المحمدية، الحصن الذي يخفق فوقه علم الروكَي: راية خضراء تحمل نجمة حمراء وأربعة أهلة بيضاء. استقبلني قائد الحصن بحفاوة ودعاني إلى الإقامة في خيمته الشخصية الفاخرة.
«في الغد، وبمجرد الانتهاء من وجبة أكل، عمت جلبة غريبة المكان، أخذ القائد منظاره، بعد إخباره بما يحدث، ليتأمل الأفق ويعلن، بفتور جلي، وصول بارجة «التريكي» للشاطئ. هنيهة بعد ذلك، ترجل الرجال كلهم، لأكون شاهدة على فرجة الاستعداد للمعركة، فرجة نادرة تتجاوز كل ما يستطيع تصوره الخيال، حتى ولو كان مغرقا في الرومانسية. كانت البارجة المغربية تتقدم، ولقد رأيتها بوضوح بواسطة منظاري الصغير تشق عباب البحر، بيضاء اللون ومزينة بعلمها الأحمر في الخلف، قبل أن تتوقف فجأة. صاح أحدهم بقربي: «انتبهوا»، ولحظتها لمحت، في الأفق، وميضا، ليتلو ذلك صدى خفيت لانفجار، قبل أن تمر قذيفة المدفع أمام أعيننا مدوية وتنفجر على مسافة ثلاثين مترا منا، خارج الحصن. ولأن القذيفة الثانية كانت أكثر دقة، فقد شعر القائد بالقلق وأمرنا باللجوء إلى الخندق الشرقي الواقي.
«استمر قصف «التريكي» للقلعة لتنفجر إحدى قذائفه على بعد مترين فقط من خيمتي، بينما تهاوت اثنتان في الماء قرب الشاطئ، وتشظت سادسة في الهواء فوق رؤوسنا، مهشمة أعلى الأسوار، واخترقت القذيفة الموالية سقف الفضاء الذي احتضن وجبة غذائنا، لتسقط الأخيرتان في حقول زراعية.
«أخبرنا القائد بنهاية الهجوم، فصعدنا مجددا إلى المنحدر لنرى البارجة تغادر الساحل، متوجهة إلى أعالي البحار. وإذا كان الحصن قد عجز عن الرد، فلأن مدى مدفعيته لا يتجاوز ستة كيلومترات، أما سبب دقة قذائف البارجة المخزنية فيكمن في كون قائدها من جنسية ألمانية! هكذا إذن، وفي عز القرن العشرين، تعرضت باريسية إلى قصف مدافع جلالته الشريفة في قلعة تابعة للروكَي!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق