الأربعاء، 10 فبراير 2021

محكيات من سيرة بوحمارة كما نشرها كتاب غربيون معاصرون له-14-

 محكيات من سيرة بوحمارة كما نشرها كتاب غربيون معاصرون له



نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 15 - 07 - 2010

مع مطلع يوم الخميس 9 شتنبر 1909، الموافق للثالث والعشرين من شهر شعبان من عام 1327، تم إعدام الجيلالي بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني، المشهور في مغرب مطلع القرن العشرين بكنية «بوحمارة» وبلقب «الروكَي».
اضطر يومها السلطان المولى عبد الحفيظ إلى إصدار أوامره المطاعة بإعدام «الفَتَّان» في مشور بلاطه العامر بفاس. طيلة سبع سنوات، وبينما جموع المغاربة تتابع أصداء ما يقوم به الروكَي عبر الروايات الشفوية، أو عبر ما يردده «البرَّاحون» أو ما يتسلل إلى علمها من مضمون الإرساليات المخزنية حول «فتنة بوحمارة»، اكتشف الرأي العام الأوروبي وجود الرجل وعلم ببعض أخباره عن طريق الصحافة والمجلات الأوروبية، وتابع أخباره بشغف لم يكن يعادله سوى حجم أطماع حكومات القارة العتيقة الرامية إلى احتلال المغرب. وتتضمن السلسلة هذه مجموعة من هذه المقالات الغربية التي صاغها صحفيون و كتاب عاصروا الروكَي بوحمارة.
نتابع في حلقة اليوم كذلك، قراءة الفصل الذي خصصه أوبان ضمن كتابه لبوحمارة وانتفاضته ومطالبته بالعرش ومحاولات المخزن للقضاء عليه، والذي ختمه في 10 فبراير 1903:
«وفي ظل صخب من هذا المثيل، كان من الطبيعي أن تنتشر الأقاويل المتضاربة. هكذا، ورغم ارتباكهم الدفين، استمر رجال المخزن يفتعلون هدوءا محتقرا، بينما الفاسيون، وهم معارضون بطبعهم، يبالغون في ما تحبل به المرحلة من أخطار، بل إن مقياس درجة معارضتهم صار هو درجة تشاؤمهم. وقد نتج عن عدد الجنود الكبير، ارتفاع طبيعي للأسعار، انضافت له زيادة أخرى جراء الكم الهائل من الأخبار السيئة التي كان يروجها مضاربون لا ذمة لهم. وبينما أضحت السيولة النقدية نادرة، عرفت قيمة الصرف زيادة 5% بالنسبة لكمبيالات طنجة. وقد غدا الملاح، بالطبع، فضاء إضفاء أوفر قدر من المبالغة على الإشاعات بامتياز، كما جعلت الأخطار المحدقة اليهود يعتكفون في حيهم الخاص ولا يبارحونه، علما أن خوفهم من التعرض للنهب أنعش مخيلتهم حتى أمسوا يقدمون مخاوفهم المضببة على أساس كونها أخبارا مؤكدة. ومن جهة ثانية، شكل ملاح فاس مصدرا لكل المعلومات الغريبة التي حصلت عليها الصحافة الغربية، والتي نشرتها الجرائد الإسبانية بدون تردد. ومع هذا، لم تشهد فاس، طوال أسابيع الأزمة الطويلة، أدنى اضطراب، ويعود الفضل في هذا لحصافة وحذر عامل المدينة.
«حوالي نهاية شهر يناير، برزت مؤشرات جدية تفيد وشوك تحول حاسم في مجريات الأوضاع، إذ اتخذ المخزن عدة مبادرات. تمثلت أول مبادرة في إرسال شريفين من الأسرة الملكية، بحرا، إلى طنجة ليقوما بتعبئة الريف ضد المطالب بالعرش وتهديد قاعدته الخلفية. أما المبادرة الثانية فتجسدت في استدعاء شرفاء وزان إلى فاس، والتماس تدخلهم دينيا لدى القبائل المنتفضة التي يحظون داخلها بقوة تأثير فعلية وواسعة. وكانت المبادرة الثالثة عبارة عن فتح مفاوضات مفيدة مع بعض القبائل، وهي المفاوضات التي أدت إلى استقطاب بني ورياغل مقابل إتاوات مالية محترمة. ونظرا لمجمل هذه التحولات، صارت الثقة سيدة الموقف في صفوف المخزن، الثقة في نصر وشيك وفي إلقاء القبض على الروكَي. وبالمقابل، ظل أهل فاس غير مطمئنين، ذريعتهم في ذلك القيمة العسكرية لجند السلطة المركزية. وقد زاد الطين بلة ذات ليلة، وعم الهلع العاصمة، إقدام عامل فاس البالي على تشديد الحراسة على أبواب المدينة، بمبرر منع الفارين من ولوجها في حالة اندحارهم أمام العدو.
«احتضن يوم 29 يناير الصوكَة المهيأة بجدية. كانت مْحلة المخزن تبعد عن مْحلة بوحمارة بخمسة وعشرين كيلومترا، وبفضل بني ورياغل الذين أوهموا الروكَي بالأمن والأمان، انتقل عسكر المنتفض، المكون من ألفي جندي من المشاة وسبعمائة فارس، إلى السهل. وهناك، انقضت عليهم، وهم في غفلة من أمرهم، أربع سربات من الخيالة تضم ثلاثمائة فارس من فرق الحوز، ومن فرسان القائد الكَداري والقائد اليوسي، بالإضافة لفرسان من قبيلة زمور التي أضحت الآن في خندق المخزن بعد محاربتها له سابقا. كان إطلاق الرصاص من البنادق كافيا لمباغتة المْحلة و»كسرها»، مما دفع الجنود المهاجمين إلى بدء عمليات نهب معسكر العدو. حينها، انقض عليهم جيش الطامع في العرش فصدهم خارج المعسكر، لكن الجيش المخزني سيتدخل بكل ثقله وجنوده تحت قيادة سي المهدي المنبهي وقائد المشور، سي إدريس بن يعيش، وعامل فاس البالي، سي عبدالرحمان بن عبد الصدوق. لقد تمكن سي المهدي، الذي أبان عن إقدام وطاقة كبيرين أثناء المواجهة، من وضع حد لتراجع الخيالة ودفع الرجال عن آخرهم للتقدم، مما فرض على أتباع بوحمارة إخلاء المكان والهروب نهائيا، مع التشتت في جميع الاتجاهات كعادتهم. وإثر ما حدث، وجدت فاس نفسها متخلصة من التشويش المتكرر، ومعها المخزن. لقد قُضي الأمر بسرعة، ولم تخلف المواجهة ضحايا كثيرين، إذ فُصِلت أربعون رأسا عن جثتها فقط، ومنها سبع عشرة رأس لأولاد الحاج المناصرين للمخزن، كما سجن خمسون أسيرا. ونظرا لجسامة الواقعة، عرفت التعويضات ارتفاعا مهما حيث بلغ مقابل الرأس المقطوعة خمسة دوروات والسجين عشرة دوروات. إن ما سبق لي حكايته أعلاه حول معارك 29 يناير مستمد من رواية شفوية لأحد أهم الفاعلين فيها.
«والساعة تدنو من الرابعة زوالا، بدأت أخبار تحقيق المخزن لانتصار حاسم تتسرب إلى المدينة، مرفوقة بنبأ إلقاء القبض على الروكَي نفسه تنفيذا للوعد الذي ضربه بني ورياغل، لتشرع حشود الناس في عبور الأبواب والتجمهر على طول الطريق المؤدية من باب فتوح إلى جسر سبو. اصطفت الطوابير المتراصة طوال هذا السبيل، كما انتشرت في أرجاء المقبرة المخصصة لفقهاء وعلماء وأولياء مدينة فاس وحقول الزيتون المحيطة بها، مبدية اهتماما جد رصين وملتزمة بعدم خلق ضوضاء أو جلبة. أما المتسولون، فقد توجهوا فرادى وجماعات للوقوف في نقطة محددة. وفي ذات الآن، كان درقاوي مسن يحقق أرباحا محترمة بفضل تطورات الوضع، وهو مسلح بعكاز أخضر اللون تعلوه كرة مذهبة. تقدم أعيان المدينة تباعا إلى الواجهة، على متن بغالهم، لاستقاء المعطيات من الوافدين من وادي نهر إيناون، علما أن جميع شرفات فاس امتلأت عن آخرها من طرف السكان المتطلعين شرقا، بينما بدأت الشمس تغيب خلف قمة تغات وارتفع صوت المؤذن معلنا عن حلول موعد صلاة المغرب. صارت الأخبار الواردة أكثر دقة رويدا رويدا: أجل، لقد فُك الحصار على فاس، لكن الانتصار العسكري غير ساحق بسبب عدم وفاء بني ورياغل بكل الالتزامات التي نالوا مقابلها أموالا طائلة، مثلما لم تطل المنتفضين التصفية، بل إنهم أفلتوا بجلدهم وهم الآن يعبرون السهل لبلوغ جبالهم الآمنة. ومع ذلك، وإعمالا لمبدأ معاملة طرفي النزاع بالمثل، تجند الحياينة لنهب رجال بوحمارة الفارين، كما سبق وفعلوا مع الهاربين من جند المخزن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

معركة إسلي

  معركة إسلي   هي معركة قامت بالقرب من مدينة   وجدة   بين جيوش   المغرب   وفرنسا   في   14 أغسطس   1844   م بسبب مساعدة السلطان المغربي   ال...