محكيات من سيرة بوحمارة كما نشرها كتاب غربيون معاصرون له
سعيد عاهدنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 16 - 07 - 2010
مع مطلع يوم الخميس 9 شتنبر 1909، الموافق للثالث والعشرين من شهر شعبان من عام 1327، تم إعدام الجيلالي بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني، المشهور في مغرب مطلع القرن العشرين بكنية «بوحمارة» وبلقب «الروكَي».
اضطر يومها السلطان المولى عبد الحفيظ إلى إصدار أوامره المطاعة بإعدام «الفَتَّان» في مشور بلاطه العامر بفاس. طيلة سبع سنوات، وبينما جموع المغاربة تتابع أصداء ما يقوم به الروكَي عبر الروايات الشفوية، أو عبر ما يردده «البرَّاحون» أو ما يتسلل إلى علمها من مضمون الإرساليات المخزنية حول «فتنة بوحمارة»، اكتشف الرأي العام الأوروبي وجود الرجل وعلم ببعض أخباره عن طريق الصحافة والمجلات الأوروبية، وتابع أخباره بشغف لم يكن يعادله سوى حجم أطماع حكومات القارة العتيقة الرامية إلى احتلال المغرب. وتتضمن السلسلة هذه مجموعة من هذه المقالات الغربية التي صاغها صحفيون و كتاب عاصروا الروكَي بوحمارة.
نتابع في حلقة اليوم كذلك، قراءة الفصل الذي خصصه أوبان ضمن كتابه لبوحمارة وانتفاضته ومطالبته بالعرش ومحاولات المخزن للقضاء عليه، والذي ختمه في 10 فبراير 1903:
«جلس الكثير من الناس القرفصاء أمام الباب (باب المحروق)، متأملين المشهد (الرؤوس المبتورة المعلقة) بفضول مسالم ومعلقين أحيانا على قيمة الرؤوس. حظي رأس شاب برضا الحاضرين الذين اعتبروه غنيمة مهمة، بينما استقبلوا رأس شيخ بابتسامات ساخرة. وكانت السلطة ممثلة من طرف خليفة المدينة الذي كان يرأس الطقس ممتطيا بغلته، وهو تاجر ثري يدعى الحاج ادريس بن عبدالجليل، ويملك متجرا في أورليونفيل، كما أنه قضى فترة طويلة من حياته في الجزائر ويعرف بضع كلمات باللغة الفرنسية.
«ورغم سعة خيبة الأمل التي خلفها عدم أسر الروكَي، مع ما سيخلقه ذلك من استمرار عصيان قبائل واد إيناون، فإن المخزن قرر الاحتفال بحدث 29 يناير واعتباره نصرا كاسحا. ولذا، استيقظت المدينة صباح يوم 31 على إيقاعات الطبلات والمزامير، وطلقات المدافع، مع استمرار إطلاق البنادق للنار لإعلان الفرح هذه المرة وليس للتعبير عن الخوف كما وقع سالفا. وبشكل مطابق لتقاليدهم، كان اليهود، الفرحون بالخلاص، سباقين إلى تزيين الملاح بالأعلام، مع إرسال بعثة ممثلة لهم إلى دار المخزن لتهنئته، بعثة رافقها الموسيقيون وأنشدت طوال الطريق: «هاذي فرحة بْسيدنا، هاذي في خاطر سيدنا!». شيئا فشيئا، لكن بابتهاج أقل، تعاقبت وفود جميع «حناطي» ومهن المدينة، تحت رئاسة مقدميها، صاعدة «الطلعة» التي تقود إلى فاس الجديد. ومع ظلمة مساء اليوم نفسه، أبهر السلطان المصلح عاصمته عبر إطلاق الشهب الصناعية.
«دامت الاحتفالات سبعة أيام بقرار من الحكومة، لكن وفق ترتيب مسبق. هكذا، دعا العامل، صباح فاتح فبراير، شرفاء وأعيان وعلماء فاس ل»نزاهة» عند السلطان، مصدرا تعليماته لهم بوضع ثياب بيضاء للتعبير عن حبورهم، فأكلوا هنيئا وشربوا مريئا واستمتعوا بالموسيقى في القصر.
«وبينما ملأت الأعلام الأسواق، زين التجار حوانيتهم بالزرابي أو بأنسجة متآكلة مقصبة بخيوط الحرير والذهب. طوال الأسبوع إذن، احتضنت مختلف أحياء المدينة «النزاهة» تلو الأخرى، ورغم أن أغلبيتها ظلت متواضعة وغير ملحوظة، فقد كان بالإمكان الانتباه لها حين يوصد أصحابها أبواب الأزقة، حاظرين بذلك عبور أحيائهم خلال النهار. وفي يوم الاحتفالات الأخير، وضع الحاج ابراهيم السوسي، وهو فاسي قح، منزله رهن إشارة حنطة الطحَّانين لإقامة نزاهتهم الخاصة فيها. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الحاج من أهم التجار المغاربة العاملين في سان لوي بالسينغال، حيث حصل على الجنسية الفرنسية. حضرتُ هذه «النزاهة» بدعوة من رب البيت، فوجدت العديد من الطحانين، بأزيائهم الفاخرة، يتغذون والموسيقى تشنف أسماعهم، ومعها خرير المياه المتدفقة، محققين بذلك الارتباط بين فرحهم الذاتي ونشوة المخزن. وأنا في البيت، لاحظتُ وجود الدرقاوي الذي سبقت له الاستفادة، قبل أسبوع، من انفعال الناس في طريق جسر سبو. كان صاحبنا يتنقل بين المدعوين، ملتقطا فتات السعادة العامة.»

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق