الخميس، 11 فبراير 2021

محكيات من سيرة بوحمارة كما نشرها كتاب غربيون معاصرون له-18-

 محكيات من سيرة بوحمارة كما نشرها كتاب غربيون معاصرون له



نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 20 - 07 - 2010

مع مطلع يوم الخميس 9 شتنبر 1909، الموافق للثالث والعشرين من شهر شعبان من عام 1327، تم إعدام الجيلالي بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني، المشهور في مغرب مطلع القرن العشرين بكنية «بوحمارة» وبلقب «الروكَي».
اضطر يومها السلطان المولى عبد الحفيظ إلى إصدار أوامره المطاعة بإعدام «الفَتَّان» في مشور بلاطه العامر بفاس. طيلة سبع سنوات، وبينما جموع المغاربة تتابع أصداء ما يقوم به الروكَي عبر الروايات الشفوية، أو عبر ما يردده «البرَّاحون» أو ما يتسلل إلى علمها من مضمون الإرساليات المخزنية حول «فتنة بوحمارة»، اكتشف الرأي العام الأوروبي وجود الرجل وعلم ببعض أخباره عن طريق الصحافة والمجلات الأوروبية، وتابع أخباره بشغف لم يكن يعادله سوى حجم أطماع حكومات القارة العتيقة الرامية إلى احتلال المغرب. وتتضمن السلسلة هذه مجموعة من هذه المقالات الغربية التي صاغها صحفيون و كتاب عاصروا الروكَي بوحمارة.
يستهل أوغست مولييراس مقاله المشار إليه في عدد أمس، والمنشور في حلقات في أعداد يومية Echo d›Oran الصادرة أيام 28 فبراير وفاتح، 2 و 3 مارس 1903، مؤكدا بأن كل باحث عن الحقيقة عَبْرَ مقالات الصحف الغربية سيجد نفسه عاجزا عن معرفة الهوية الحقيقية للمطالب بعرش المغرب وخصم السلطان المولى عبد العزيز، مضيفا: «ثمة عتمة كثيفة تحيط بشخصية وأفعال وتحركات المنتفض الذي تجري باسمه المعارك يوميا غير بعيد عن العاصمة الشريفة. لقد عممت وكالات الأنباء في مدريد ولندن عدة قصاصات حول الموضوع عبر العالم، لتكتب عكسها بعد مرور يومين اثنين فقط، بل إنها كانت تنشر أخبارا مثيرة لتكذبها في اليوم الموالي». هكذا، يشرح مولييراس، نشرت الصحف خبر إطلاق سراح الأخ الأكبر للسلطان، مولاي مْحمد، الذي تمت تنحيته عن العرش بعد وفاة والده الحسن الأول، ثم أكدت خبر هزيمة بوحمارة واعتقاله ووصفت جولته مغلولا ومُهانا في أزقة فاس تحت سياط الجلادين، لتعود جرائد مدريد ولندن وتكتب «والجريدة ماثلة للطبع، يبدو أن المطالب بعرش المغرب قد انتقل إلى جوار ربه». أجل، يضيف الكاتب الفرنسي، لقد انتقل بوحمارة إلى جوار ربه لدرجة ينعم معها الآن بصحة جيدة، ولا يفكر إطلاقا ، بفضلها، لا في وضع حد لانتفاضته ولا في الموت! ثم يواصل هجومه على الصحافة الإسبانية والبريطانية، معتبرا بأن «الخرافات» التي نشرتها وكررتها حول بوحمارة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، ليتوقف عند موقف حكومة بلاده «التي تتابع عن كثب تطور الأحداث، والتي لن تتخلف عن الموعد حين سيكون المغرب بحاجة ماسة إلى مساعدتنا وعملنا الدبلوماسي، ولم لا لحمايتنا». إن إسبانيا، حسب ما ورد في المقال، تتحرك وتهيئ بواخرها، بينما يتحدث وزراؤها وصحفيوها بدون تحفظ عن مشاريعها في المغرب الأقصى. أما بريطانيا، فهي تكشف، بعجرفة أقل وبراعة أكثر، عن الأهمية التي توليها لبسط سيطرتها على الساحل الممتد من طنجة إلى سبتة.
وحسب تحليل أوغست مولييراس دائما، ففرنسا تتخذ، إلى غاية نشر المقال ( 1903 )، موقفا متزنا وحذرا وصائبا، موقف يتناسق مع سعيها إلى إقرار الهدوء والمصالحة، سواء في المغرب أو في باقي دول المعمور، مؤكدا بأنها «تعلم علم اليقين مواقف التأييد التي تنتظرها في الضفة الأخرى لنهر ملوية، وتعرف جيدا بأنه سيتم تفضيلها على باقي الدول الطامعة في الطريدة المغربية، وبأنها ستُستقبل كمحررة من القهر الشريفي».
بعد دفاعه عن موقف باريس وهجومه على «منافستيها» مدريد ولندن، يعود مولييراس إلى سرد تفاصيل الأسطورة التي كانت سائدة حول بوحمارة إبَّان انطلاق حرَكته:
«مثلما تساقطت الثلوج على أودية غياثة، عاد قليل من الهدوء إلى المنطقة، ووفق العديد من الروايات، فقد استغل الطامع في العرش الفرصة للذهاب إلى ضريح المولى إدريس، الموجود في أطلال وليلي القديمة. إنه عاقد العزم على القيام، في هذا المعبد المقدس، بتجربة مصيرية ستضع على رأسه، في حالة نجاحه، التاج الإمبراطوري. لنترك الرجل في طريقه إلى الضريح الشهير، و لنقم، في انتظار حل التراجيديا المغربية الذي لن يطول انتظاره كثيرا، بمساءلة مدن وأرياف المغرب حول نظرتها لبوحمارة، وعن معتقداتها حول علامات الاستفهام المتناسلة التالية: من هو؟ من أين أتى؟ إلى أين يتجه؟ من هم الذين يحاربهم وما هي مشاريعه؟
«تحرياتنا كانت طويلة ودقيقة، إذ، منذ انطلاق المواجهات، تعددت الروايات إلى ما لانهاية، واختلفت كما يختلف النهار عن الليل. المغاربة أنفسهم لم يكونوا متوافقين حول القضية، لا حول الرجل الجسور الذي تجرأ على تحدي السلطان فقط، بل حول اسمه الحقيقي كذلك، مانحين إياه أسماء متنوعة مسختها الجرائد الأوروبية».
ولايكتفي أوغست مولييراس بسرد الرواية الشفوية التي استقى مضامينها، بل إنه يؤدلجها مسبقا وفق اختياراته الكولونيالية التي تحلم بإقرار الحماية الفرنسية على المغرب لإعمال «رسالة باريس الحضارية» في الإيالة الشريفة، فيكتب: «كانت تلك فترة السديم المعتمة، فترة لم ينتبه الأوروبيون الأكثر تبصرا إلا لما تحمله من فوضى وخسائر وكوارث، بينما، وعلى خلافهم، كان العرب يبشرون بأن نهاية الانتفاضة المنقذة ستفرز حكومة جديدة ستشكل مدخلا لعصر ذهبي تتطلع إليه الأجيال المتتالية للإسلام المغربي». وبعد هذا «التأطير الايديولوجي» فقط، ينتقل الكاتب إلى سرد تفاصيل ما كان يعتقده العديد من المغاربة حينذاك حول الموضوع، إلى «الأسطورة» كما كانت «منغرسة بعمق في القلوب والعقول المغربية».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

معركة إسلي

  معركة إسلي   هي معركة قامت بالقرب من مدينة   وجدة   بين جيوش   المغرب   وفرنسا   في   14 أغسطس   1844   م بسبب مساعدة السلطان المغربي   ال...