محكيات من سيرة بوحمارة كما نشرها كتاب غربيون معاصرون له . . الحريمُ والحاجِبُ
سعيد عاهدنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 21 - 07 - 2010
مع مطلع يوم الخميس 9 شتنبر 1909، الموافق للثالث والعشرين من شهر شعبان من عام 1327، تم إعدام الجيلالي بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني، المشهور في مغرب مطلع القرن العشرين بكنية «بوحمارة» وبلقب «الروكَي».
اضطر يومها السلطان المولى عبد الحفيظ إلى إصدار أوامره المطاعة بإعدام «الفَتَّان» في مشور بلاطه العامر بفاس. طيلة سبع سنوات، وبينما جموع المغاربة تتابع أصداء ما يقوم به الروكَي عبر الروايات الشفوية، أو عبر ما يردده «البرَّاحون» أو ما يتسلل إلى علمها من مضمون الإرساليات المخزنية حول «فتنة بوحمارة»، اكتشف الرأي العام الأوروبي وجود الرجل وعلم ببعض أخباره عن طريق الصحافة والمجلات الأوروبية، وتابع أخباره بشغف لم يكن يعادله سوى حجم أطماع حكومات القارة العتيقة الرامية إلى احتلال المغرب. وتتضمن السلسلة هذه مجموعة من هذه المقالات الغربية التي صاغها صحفيون و كتاب عاصروا الروكَي بوحمارة.
يقول أوغست مولييراس خلال سرده ل «الأسطورة»، وهو العنوان الذي انتقاه لسلسلة مقالاته حول بوحمارة المنشورة في أعداد يومية Echo d›Oranالصادرة أيام 28 فبراير وفاتح، 2 و 3 مارس 1903:
«حوالي نهاية الصيف الماضي (1902 )، قام سي أحمد الزياني، القائد القوي لقبيلة زيان البربرية المستقرة شمال واد أم الربيع، بإهداء أجمل بناته للسلطان الشاب مولاي عبد العزيز. كانت الفتاة جوهرة حقيقية، لاتليق سوى بسليل الدوحة النبوية، وقد تم نقلها إلى أحد قصور السلطان في فاس. وذات صباح، بعد مرور عدة أيام، توصل سي أحمد، الذي كان قد عاد مطمئنا إلى بيته، من ابنته، التي كانت تعرف صدفة القراءة والكتابة، برسالة مختصرة تخبره ضمنها بغياب السلطان من القصر وبحلول إنجليزي كافر مكانه.»
شد القائد الرحال إلى مراكش بسرعة، وهناك قابل مولاي مْحمد، أخ السلطان الأكبر، ليخبره بأن أخاه ليس في فاس، وبأن كافرا حل محله! على التو، استدعى مولاي مْحمد بسرية، يضيف مولييراس، أحد الوزراء الذي كان موجودا آنذاك في مراكش. «لم يحضر الوزير الموعد إلا ليلا، ليفلت من عيون الجواسيس الذين يوظفهم السلطان لرصد حركات وسكنات مسؤولي المملكة الكبار. وبالفعل، فالبلاط لن ينظر بعين الرضا لهذه الزيارة إذا وصله خبرها، خاصة أن الأمير شخصية خطيرة وأنه لم يعلن صراحة التنازل عن حقوقه في العرش. ولمزيد من الحيطة والحذر، ارتدى كاتب الدولة الشريفي ملابس متسول قذرة ليساعده تنكره على الوصول إلى بيت الأسير الملكي بدون صعوبة.
«بعد تقبيل يدي مولاي مْحمد مرارا وتكرارا، شرع الوزير في الكلام قائلا:
- الله يبارك أيام مولاي! مولاي طلب حضور عبده فجاء العبد.
بصوت مرتفع، وضع قائد زيان الخشن حدا لطقوس الوافد الجديد المتملقة:
- الأمر لا يتعلق بهذا! بل بمعرفة مكان السلطان.
أجابه الوزير:
- أين تريده أن يكون باستثناء فاس، حيث ظل يستقبلني يوميا مؤخرا؟
- وابنتي، أين هي؟
- لقد أعطيتها للسلطان، ومن المفروض أنها بجانبه الآن.
«رد القائد وهو يسلم كتاب بنته إلى رجل الدولة:
- تناول، خذ، اقرأ وتأمل هذه الرسالة.
- يا ربي! ياربي! صرخ سيادته في أوج صدمته.
«كان الأمير السجين قد نهض. شاحبا كان ومرتعشا. الخبر السعيد حول استرجاعه الحرية قريبا وشغور العرش أيقظ غرائزه العنيفة كرجل حرب. مكث يمشي بخطوات متقطعة داخل الغرفة الضيقة والطويلة، المضاءة بشمعدانين برونزيين ثقيلين، صارخا كلمات غير مترابطة:
- عبد العزيز!... الإنجليزي الكافر!... رسالة!... حصان!... الجهاد!...
«الأمير والوزير والقائد موجودون الآن، جميعهم، داخل المسكن المتداعي لأحد الشيوخ: عراف مراكش البارع، العارف المعصوم بالغيب، الذي يفك الألغاز الأكثر تعقيدا في بلاد الألغاز هذه. متمتعا بنسمات الحرية التي هبت عليه أخيرا، بفضل الأحداث الجليلة الجديدة وتواطؤ عبدة الشمس المشرقة، تصرف أخ السلطان كسيد إزاء الوزير، آمرا إياه:
- اسأل هذا الرجل! أنت تعرف ما عليك سؤاله عنه!
«بعد ذلك, أضاف بصوت خفيض:
- من الضروري أن أبقى في الظل، فساعتي لم تدق بعد.
«بعد انتهاء الوزير من تقديم شروحه، بانت علامات الحيرة والتأمل على الشيخ المسن جليا. إنه مرتبك لأول مرة في حياته، بسبب غرابة المشكلة المطروحة عليه وعجزه عن حلها هنا، بعيدا من فاس. أغضب صمت الشيخ المطبق الأمير المتلهف فصاح:
- ماذا نفعل هنا إذا، وهذا العجوز يلوذ بالصمت؟
«أجاب الشيخ الوقور الذي سبق واكتشف هوية الأمير:
«- مولاي مْحمد، لا أحد يستطيع فك هذا اللغز سوى والدة مولاي عبد العزيز.
«لم يتسرب أي خبر عن عملية فرار (مولاي مْحمد)، لا داخل مدينة مراكش ولا خارج أسوارها، رغم أن الجميع لاحظ عبور قافلة الوزير ورجاله التلال والأودية تحت الشمس المحرقة. وكما جرت العادة بذلك، تم تقديم الضيافة التقليدية للمسؤول المخزني، لكن لا أحد، من بين فلاحي الدواوير والقرى البسطاء، خمَّن بأن الرجل الراقد والملفوف بالحياك، والشاخر في خيمة الوزير، لم يكن سوى الأخ الأكبر للسلطان، ذلك الأمير الذي سيخصه القدر، مثلما يتلاعب بنا جميعا، بدور بارز وخطير.»

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق