محكيات من سيرة بوحمارة كما نشرها كتاب غربيون معاصرون له
سعيد عاهدنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 24 - 07 - 2010
مع مطلع يوم الخميس 9 شتنبر 1909، الموافق للثالث والعشرين من شهر شعبان من عام 1327، تم إعدام الجيلالي بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني، المشهور في مغرب مطلع القرن العشرين بكنية «بوحمارة» وبلقب «الروكَي».
اضطر يومها السلطان المولى عبد الحفيظ إلى إصدار أوامره المطاعة بإعدام «الفَتَّان» في مشور بلاطه العامر بفاس. طيلة سبع سنوات، وبينما جموع المغاربة تتابع أصداء ما يقوم به الروكَي عبر الروايات الشفوية، أو عبر ما يردده «البرَّاحون» أو ما يتسلل إلى علمها من مضمون الإرساليات المخزنية حول «فتنة بوحمارة»، اكتشف الرأي العام الأوروبي وجود الرجل وعلم ببعض أخباره عن طريق الصحافة والمجلات الأوروبية، وتابع أخباره بشغف لم يكن يعادله سوى حجم أطماع حكومات القارة العتيقة الرامية إلى احتلال المغرب. وتتضمن السلسلة هذه مجموعة من هذه المقالات الغربية التي صاغها صحفيون و كتاب عاصروا الروكَي بوحمارة.
نختتم في هذه الحلقة ما كتبه أوغست مولييراس خلال سرده ل «الأسطورة»، وهو العنوان الذي انتقاه لسلسلة مقالاته حول بوحمارة المنشورة في أعداد يومية Echo d›Oranالصادرة أيام 28 فبراير وفاتح، 2 و 3 مارس 1903:
«اليوم موعد السوق الأسبوعي، والحشود المسلحة متحلقة حول البراح الذي ما انفك يصرخ:
- لا إله إلا الله! تعالوا معشر المؤمنين لسماع قراءة رسائل سيدنا السلطان!
«الرسائل الإمبراطورية مستنسخة من بعضها البعض، ولا تمل من ترديد نفس الأسطوانة»، قصة السلطان المغيب من طرف إنجلترا، «الذي يظل، مع ذلك، العاهل الشرعي للمغرب.»
ويواصل الكاتب الحكي موضحا:
«ولا تتغير خلاصة الرسائل هي الأخرى أبدا، إذ تكرر:
- ليسمحوا لي برؤية أخي. وسواء كان في فاس أو مراكش أو أي مكان آخر، فليترك المسلمين يرونه، وحينها سنكون أول من يقدم له الولاء. إن الإنجليزي الذي يحكم بدلا منه يختبئ في قصره بفاس، حيث يحظر علي الجميع رؤيته، باستثناء حاشيته المكونة من المرتدين الذين باعوا أنفسهم لبريطانيا منذ زمن بعيد. لا تبايعوني سلطانا... رغبتي الوحيدة هي طرد الإنجليز الملاعين الذين سرقوا مولانا وسيدنا السلطان.
«يؤمن كل الذين لا يُبصرون من الأشياء إلا جانبا واحدا بوجود البركات والمعجزات على أرض الواقع. أما الساكنة المغربية، المنغمسة في عتمة التصوف الديني، فإنها تضفي أقصى درجات الإيمان على الأفعال الخارقة والعصية عن التفسير، مضيفة لهذا الإيمان ما تفرض الديانة الاعتقاد به، بدون تحليل ولا تفسير.
«هؤلاء السكان يترقبون الآن الاختبار الخارق الذي يوشك المطالب بالعرش على اجتيازه في ضريح مولاي إدريس بزرهون. إنه امتحان خطير وصعب، وإذا حدثت المعجزة، فلن يجد السلطان الحقيقي أو الذي يتقمص دوره حلاّ آخر غير الفرار إذا أراد الإفلات من غضب الأغلبية الساحقة من رعايا الإمبراطورية.
«كل العيون متوجهة إلى ضريح مؤسس الدولة الإدريسية: عيون الأمازيغيين والعرب والزنوج واليهود، عيون العلماء والجهلة. تبدو أنظارهم جميعا متطلعة إلى نفس الفضاء، وهم في الحقيقة يبصرون مولاي مْحمد متسلقا بعناء المنحدرات الخضراء للجبل المقدس.
- أنظروا إليه! إنه لم يتوقف أمام النصب التذكاري لرشيد الوفي، العبد الذي تم عتقه، والوزير القوي لمولاي إدريس. لا، إن الأمير الأعور لا يفكر سوى في الوصول إلى الضريح المقدس الذي لا تفتح أبوابه لغير الملوك وكبار العلماء الأجلاء. ها هو يلجه رفقة الصدر الأعظم و «حْفيظ» الضريح، وها هم يسجدون جميعا أمام القبر المزركش برسومات خضراء اللون، قبر عاهل توفي منذ ألف ومائة وعشر سنوات قبل الآن.
«خلف الرجال الثلاثة، أُغلقت أبواب الضريح الضخمة بواسطة الأقفال من طرف الحارس، وهي عملية حضرها الأعيان وحشود الجماهير. المفاتيح الآن في جيب الحارس، ومزاليج الأبواب منغرسة عميقا في الجدران لدرجة يستحيل الوصول معها إليها بالنسبة لنزلاء الضريح الثلاثة. يستحيل فتح الأبواب إذن من الداخل إلا بإرادة إلهية، بعد أن تتم الاستجابة للتضرع الملح للولي المتوفى. وإذا حدث ذلك، فالأبواب ستشرع تلقائيا، وتفسح مجال الخروج للذي اصطفاه الله ومولاي إدريس عاهلا على المسلمين.
«أما إذا ظلت الأبواب موصدة، واضطر الحارس إلى فتحها بواسطة المفاتيح المتوفرة لديه للإفراج عن المتواجدين داخل الضريح، بعد ساعات من الانتظار، فهذا يعني أن المعجزة لم تحدث، وأن الله ومولاي إدريس يرفضان تربع رجل لا يتمتع بالعناية السماوية على عرش المغرب.
«هي ذي المعجزة المنتظرة والمأمولة. وهي قابلة للتحقق تقريبا بشكل لا شك فيه، لأنه ثمة توافقات مع القوى السماوية يستطيع الإنسان إنجازها شرط ألا يكون بليدا، ومولاي مْحمد جد ذكي. فعلا وبكل صدق، فهو لا يعدم الحظوظ، بل إنه يتوفر على حظوظ كبيرة ليشرع أمامه باب الضريح الشهير من طرف الراحل الجليل، مولاي إدريس، نفسه.
«وماذا بعد؟
«إنه السؤال الذي يؤرقكم أيها القراء الأعزاء، لكنه سؤال لا نستطيع الجواب عنه إلا عبر فرضيات لا تحصى ولا تعد، ذلك أن التكهن بالمستقبل شأن لا يقدر عليه سوى الأنبياء، علما أن آخرهم، الرسول الذي يعتبره المسلمون مؤسس ديانتهم، قد قال بأنه لا نبي بعده، وربما لا نبية كذلك.»

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق